فصل: تفسير الآيات رقم (6- 9)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏126- 127‏]‏

‏{‏وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏126‏)‏ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏127‏)‏‏}‏

صراط ربك‏:‏ طريقه الذي ارتضاه، ودينه القويم المستقيم‏:‏ الذي لا اعوجاج فيه ولا زيغ‏.‏ دار السلام‏:‏ الجنة‏.‏ وليّهم‏:‏ متولّي أمورهم، وكافيهم كل ما ما يهمهم‏.‏

ان هذا الذي بينّاه هو طريق الحق المستقيم، هو الاسلام الذي يشرح له صدر من يريد هدايته، ولقد فصّلناه ووضّحناه للناس، كي ينتفع به الذين من شأنهم التذكر وطلب الهداية‏.‏ ولهولاء السالكين صارط ربهم دارُ السلام وهي الجنة، حيث يظلّون في ولاية الله ومحبته، بسبب ما عملوا في الدنيا من خير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 129‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ‏(‏128‏)‏ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏129‏)‏‏}‏

المعشر‏:‏ النفر والقوم‏.‏ الرهط‏:‏ الجمع من الرجال‏.‏ استكثر الشيءَ‏:‏ اخذ منه الكثير اولياؤهم‏:‏ الذين تولوهم اي اطاعوهم في وسوستهم‏.‏ الاستمتاع بالشيء‏:‏ الانتفاع به طويلا‏.‏ بلغنا اجلنا‏:‏ وصلنا يوم البعث والجزاء‏.‏ المثوى‏:‏ مكان الاقامة‏.‏ الخلود‏:‏ المكث الطويل غير المحدود‏.‏

في الآيات السابقة بين الله حال الذين سلكوا صراطه المستقيم، وان الله شرح صدورهم، وجزاؤهم الجنّة، فهم في كفالة ربهم ناعمون‏.‏ وهنا يعرض سبحانه وتعالى حالَ الذين سلكوا طريق الشيطان‏.‏ وهو يعرض يوم الحشر في القيامة وما فيه من هول، في مشهد حيّ حافل بالحوار، فيقول‏:‏

‏{‏وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

يوم يحشر الله تعالى الخلق جميعا من إنس وجنّ، ويقول جل جلالُه‏:‏ يا معشر الجن، قد أكثرتُم من إغراء الانس حتى تَبعكم منهم عدد كثير‏.‏ فيقول الذين اتّبعوهم من الانس ‏{‏رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ‏}‏ ربنا، لقد انتفع بعضُنا ببعض، واستمتعنا بالشهوات، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذّة والانغماس في الشهوات، ‏{‏وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا‏}‏ ثم إننا قد وصلنا الى الأجل الذي حدّدته لنا، وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكُم فينا بما تشاء‏.‏

وما هذا الاعتراف الا من نوع الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا‏.‏

فيقول جل جلاله‏:‏

‏{‏قَالَ النار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله‏}‏‏.‏

ان النار منزلكم ومقركم خالدين فيها الا ما شاء الله ان ينقذهم، فكل شيء بمشيئته واختياره، فله السلطان الكامل، ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ‏}‏ وهو حكيم فيما يفعل ويختار، عليم بما يستحقه كل من الفريقين‏.‏

وفي قوله تعالى ‏{‏إِلاَّ مَا شَآءَ الله‏}‏ فسحةٌ كبيرة وبشرى عظيمة بسعةِ حلمه ورحمته، انه غفور رحيم‏.‏

‏{‏وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏}‏‏.‏

ومثلُ ذلك الذي ذُكر من استمتاع اولياء الانس والجن بعضهم ببعض، نولي بعض الظالمين بعضاً بسبب ما كانوا يكسِبون من الكبائر والجرائم‏.‏

روى ابو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال‏:‏ سألت الاعمش عن قوله تعالى ‏{‏وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً‏}‏ قال‏:‏ معناه كما سمعتُ من اشياخي‏:‏ «اذا فسد الناس أُمِّرَ عليهم شِرارهم‏.‏ وذلك ان الحكّام يتصترفون في الأمم الجاهلة الضالّة تَصَرُّفَ رعاة السوءِ في الأنعام السائمة»‏.‏

ولذلك تفرَّد الاسلام بوضع هذا الدستورالعظيم، جعل أمر الأُمة بين أهل الحلّ والعقد، وأمَر الرسولَ بالمشاروة، لئلا يتفرّد بالحكم طاغية يتحلل من الرقابة‏.‏

وانما يولّي الله الناسَ بأعمالهم، فالمؤمن وليُّ المؤمن من اين كان وحيثما كان، والكافر وليُّ الكافر من اين كان وحيثما كان‏.‏ وهذا ما نشاهده الآن من تجمُّع اولياء الشياطين من الكفار من صليبيّين وصهيونيين وغيرهم‏.‏

وكلهم في صفِّ واحد ضد الاسلام والمسلمين، وهم يدعمون اليهود ويساعدونهم لك ما لديهم من قوة وسلاح كما تفعل امريكا في الوقت الحاضر، وبريطاينا قبلها، ليحاربوا المسلمين ويسلبوا وطنهم ومالهم‏.‏ إنه تجمُّع يتجلّى فيه قولُه سبحانه‏:‏ ‏{‏وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏}‏‏.‏

والله سبحانه وتعالى غالبٌ على أمره، وقد بشّرنا بقوله‏:‏

‏{‏إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ‏}‏‏.‏

ونحن نأمل في أن تتجمَّع قوى المسلمين على قلب واحد، لهدف واحد هو تخليص أرضنا المقدسة، فلسطين، من براثن الأعداء‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حفصل عن عاصم، وروح عن يعقوب‏:‏ «يحشرهم» بالياء، كما هو في مصحفنا‏.‏ وقرأ الباقون «نحشرهم» بالنون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏130- 132‏]‏

‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ‏(‏130‏)‏ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ‏(‏131‏)‏ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏132‏)‏‏}‏

الخطاب هنا موجه الى الجنّ والإنس معا، فهل ارسل الله الى الجن رسلا منهم كما ارسل الى الإنس‏؟‏ يقول جمهور العلماء‏:‏ ان الرسل كلهم من الإنس كما يدل عليه ظاهر الآيات الاخرى‏.‏ اما عالم الجن فهو غيبّي لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص‏.‏ وقد دل القرآن الكريم والاحاديث الصحيحة على ان النبي علي الصلاة والسلام قد أُرسل إليهم ايضا في قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالوا أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ‏.‏‏.‏‏.‏ الآيات‏}‏ من سورة الاحقاف‏.‏ فهذا يدل على ان الرسل من الإنس وحدهم، وان الجن كانوا يستمعون لهم وينذرون أقوامهم‏.‏

فالله تعالى يقول لهم يوم القيامة‏:‏ يا أيها الإنس والجن، لقد جاءتكم الرسل يذكُرون لكم الحجج والبينات، ويتلون عليكم الآياتِ المبينَة لأصول الايمان، والفصِّلة لأحكام الشرائع، وينذرونكم لقاء الله في هذا اليوم العصيب، فكيف تكذبون‏؟‏

فأجابوا‏:‏ قد أقررنا وشهِدنا على أنفسنا بما ارتكبنا ولكنهم‏:‏

‏{‏وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا‏}‏ قد خدعتهم الحياة في الدنيا ومتاعها من الشهوات والاموال والاولاد، وحبُّ التسلط على الناس‏.‏ بذلك أقرّوا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا جاحدين كافرين بالآيات والندر‏.‏

ثم يلتفت سبحانه وتعالى بالخطاب الى الرسول الكريم والمؤمنين، والى الناس اجمعين فيقول‏:‏

‏{‏ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ‏}‏‏.‏

وهذا من رحمة ربنا تعالى بنا جميعا، فهو لا يؤاخذ الناس حتى على الشِرك والكفر حتى يرسل اليهم الرسل، كما بين ذلك في عدد من الآيات منها‏:‏ ‏{‏رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل‏}‏‏.‏

فالله سبحانه لايهلك القرى بظلمهم وأهلها غافلون عن الحق، بل يبهُهُم على يدِ رُسله أولاً، فإن تمادَوا نالوا جزاءهم‏.‏

وعلاوة على ان هذه الآيات تصوّر رحمة الله بالانسان وفضله عليه، فإنها أيضاً تقرر ان العقل والمدارك وحدها لا تكفي، ولا تعصم من الضلال، ما لم تساندْها العقيدة ويَضبطْها الدين‏.‏

ثم يختم بتقرير لطيف في شأن الجزاء، للمؤمنين وغيرهم على السواء، فيقول‏:‏ ‏{‏وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

أي أن لكل عامل خيرٍ أو شرِ درجاته من جزاء ما يعمله‏.‏‏.‏‏.‏ ان خيرا فخير، وان شرا فشر، والله تعالى غير غافل عما يعملون، بل ان عملهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏133- 135‏]‏

‏{‏وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ ‏(‏133‏)‏ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏134‏)‏ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏135‏)‏‏}‏

يذهبكم‏:‏ يهلككم‏.‏ يستخلف‏:‏ يأتي بغيركم، وينشء نسلاً جديداً غيركم‏.‏ بمعجزين‏:‏ لا تعجزونني‏.‏ المكانة الحال التي هي عليها‏.‏ عاقبة الدار‏:‏ عاقبة الدنيا‏.‏

عبد أن قرر تعالى في الآيات السابقة حجة الله على المكلفّين بعد إرساله الرسل اليهم بيّن أنَّهم يشهدون على انفسهم يوم القيامة انهم كانوا كافرين، وأوضح أنه لا يعذب أحدا ظلماً وعدواناً- بيّن أنه تعالى غنّي عن العباد وعن ايمانهم به‏.‏ من ثم فإنهم إذا احسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم‏.‏ بل ان رحمته للتجلّى في الإبقاء على الناس، وان كانو عصاة مشركين ظالمين، مع انه قادر على ان يهلكهم، وينشئ غيرهم ليخلفهم‏.‏

‏{‏وَرَبُّكَ الغني ذُو الرحمة‏}‏‏.‏

انه هو الغني عن العباد والعبادة، وصاحب الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء‏.‏

بعد كل ما سبق اكد الله للناس ان ما وعد حق، وهو تعقيب فيه تهديد شديد‏.‏

فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ‏}‏‏.‏

اي ان الذي ينذركم الله به من عقاب، او يبشركم، به من ثواب عد البعث والحشر والحساب- آتٍ لا محالة، فلا تظنوه بعيدا‏.‏ انكم لن تُعجزوا من يطلبكم يومئذ، وليس لكم ملجأ تهربون اليه من دون الله‏.‏

وتنتهي التعقيبات بتهديد عميق الايحاء والتأثير في القلوب، اذا يأمر الله رسوله الكريم ان ينذرهم بقوله‏:‏

‏{‏قُلْ يَاقَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون‏}‏‏.‏

اي قل لهم يا محمد مهددا‏:‏ اعملوا على النحو الذي اخترتموه بكل ما في قدرتكم، أما انا فسأعمل على طريقتي التي ربّاني عليها ربي، وسوف تعلمون حتماً من تكون له العاقبة الحسنة في هذا الدار الآخرة‏.‏ ان الله تعالى لم يكتب الفوز للظالمين، فهم لا يفلحون ابدا‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي «نم يكون له عاقبة الدار» بالياء، وقرأ الباقون «تكون» بالتاء كما هو في المصحف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏136‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏136‏)‏‏}‏

الحرث‏:‏ الزرع‏.‏ شركاؤنا‏:‏ الاوثان التي كانوا يتقربون بعبادتها الى الله تعالى، وشركاؤهم سدنةُ الاوثان وخدمها‏.‏ ساء ما يحكمون‏:‏ ما اسوأ حكمهم وقسمتهم‏.‏

بعد ان حاجّ الله تعالى المشركين وسائر العر ب في كثير من أصول الدين، وكان آخرهم البعث والجزاء- أخذ هنا يفنّد أفعالهم وخرافاتهم في الحرث والزرع والانعام، وفي التحليل والتحريم حسب الاهواء‏.‏

لقد أوضح ان المشركين الذين يعبدون الأوثان في أوهام مستمرة، فهم يجعلون بعض الزرع والابل والبقر والغنم من نصيب الله تعالى بأن ينفقهوه على الضيوف والمحتاجين، ويجعلون البعض الآخر من نصيب الاوثان وينفقونه في خدمتها‏.‏ ومعنى ذلك انهم جعلوها شركاء لله تعالى‏.‏ ثم يزعمون ان منا يجعلونه للاوثان يصل إليهم وما يجعلونه لله تعالى لايصل إليه، بل يأخذه الأضياف والفقراء «ساءَ ما يَحْكُمون» فما اسوأ حُكمهم الظالم‏:‏ لقد جعلوا الاوثان نظرا لله وسبحانه الخالق الأوحد، كما انهم أساءاوا حين انفقوا ما جعلوه لله في غير مصارفه‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي «من يكون له عاقبة الدار» بالياء، والباقون «من تكون» بالتاء‏.‏ وقرأ الكسائي‏:‏ «بزعمهم» بضم الزاي، والباقون «بزعمهم» بفتح الزاي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏137- 140‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ‏(‏137‏)‏ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏138‏)‏ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ‏(‏139‏)‏ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ‏(‏140‏)‏‏}‏

شركاؤهم‏:‏ سدنة الآلهة التي يعبدونها من الاوثان‏.‏ لِيُرْدوهم‏:‏ ليهلكوهم‏.‏ ليلبسوا‏:‏ ليخلطوا عليهم‏.‏ حجر‏:‏ محجور ممنوع‏.‏ سيجزيهم‏:‏ سيعاقبهم الله على هذه المنكرات‏.‏

كما زيّنتْ لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة التي مر ذكرها في الآية السابقة من الحرث والابل ولابقر وغيرها- زيّنت لهم اوهامهم وتضليلُ شركائهم من خدّام الاوثان وشياطين الانس ان يقتلوا اولادهم‏.‏ وكان ذلك يتم إما تديُّناً وتقرباً لآلهتهم في الجاهلية، او بسبب من الفقر، كما جاء في بعض الآيات‏.‏ ومنهم من كان يئد البنات، اي يدفن في التراب، خوفا من العار الذي يمكن ان يُلحقنه به‏.‏

وكان نَذْر قتل بعض الأولاد جاريا في دينهم، ومن ذلك نذْرُ عبد المطلب ان يقتل آخر اولاده ان وُلد له عشرة ذكور فكان العاشر عبد الله‏.‏ وفداه بمئة من الابل كما أفتاه بذلك بعض الكهان‏.‏

‏{‏لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ‏}‏‏.‏

لقد يزنوا لهم هذه الخرافات المنكرة ليلِكوهم بالاغواء، ويفسدوا عليهم فِطرتهم، حين تنقلب عواطف الوالدين من رحمة ورأفة الى قسوة ووحشية‏.‏ من ثَمَّ ينحر الوالدُ ولده، ويدفن بنتَه الضعيفة وهي حية‏.‏

‏{‏وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ‏}‏‏.‏

تلك مشيئة الله في خلقه بما ينتحلونه من شرائع وما يفترون عليه من كذب، فاتركهم ايها الرسول‏.‏ ان عليك ان تقوم بما أُمرت به من التبليغ، والله هو الذي يتولى أمرهم، وله سُنن فيه هداية خلقه لا تتغير ولا تتبدل‏.‏

ثم ذكر الله تعالى ثالثا من آرائهم وديانتهم الفاسدة فقال‏:‏

‏{‏وَقَالُواْ هذه أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ‏}‏‏.‏

يعني‏:‏ ومن أوهام انهم قسموا أنعامهم وزعهم أقساما ثلاثة‏:‏

1- أنعام وأقوات وحبوب وغيرها ممنوعة، تُجعل لمعبوداتهم، لا يأكلها أحد الا من يشاؤون من خَدَمة الاوثان، ويقولون هي «حِجْر» يا محجورة للآلهة لا تعطى لغيرهم‏.‏

2- أنعام حَرُمت ظهروها، فلا تُركب ولا يُحمل عليها، كما جاء في قوله تعالى بسورة المائدة‏:‏ ‏{‏مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏‏.‏

3- أنعام لا يذكرون اسم الله تعالى عليها عند الذبح، بل يُهدونها لألهتهم وحدها وذلك لكذبهم علىلله تعالى بشِركهم‏.‏

ان الله تعالى سيجزيهم بالعذاب في الآخرة، بسبب افترائهم عليه وتحريمهم ما لم يحرمه هو‏.‏

ثم ذرك نوعاً آخر من أحكامهم في التحريم بيّن فيه سخفهم وكذبهم على الله فقال‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ومن ديانتهم الباطلة أنهم يقولون‏:‏ ان ما في بطون الأنعام التي لا تُذبح ولا تُركب هو للذكور خاصة، ويحرُم على النساء‏.‏

لكن لك الجنين اذا سقط ميتا اشترك في أكل لحمه الذكور والاناث فكيف يجوز ذلك‏!‏ ان الله سيجزيهم على كذبهم الذي وصفوا به فعلهم، اذا ادعوا ان هذا التحريم من عند الله وهو من عند أنفسهم‏.‏ إن الله عليه بكل شيء، حكيم تسير جميع أفعاله على مقتضى الحكمة‏.‏

‏{‏قَدْ خَسِرَ الذين قتلوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله افترآء عَلَى الله قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ‏}‏‏.‏

لقد خسر اولئك قتلوا أولادهم، وَوَأَدُوا بناتهم سَفَهاً وحُمقاً، فالولد نعمةٌ من الله على العبد، ‏{‏المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا‏}‏ فاذا سعى العبد في زوال هذه النعمة خسر خسرانا عظيما، واستحق الذم في الدنيا، والعقاب في الآخرة‏.‏

كذلك أولئك الذين حرموا على انفسهم ما رزقهم الله من زرع وحيوان‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ لقد ضلُّوا وبعُدوا عن الحق، فهم لا يتّصفون بالهداية بحالٍ من الأحوال‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن عامر‏:‏ «وكذلك زُيّن لكثيرٍ، المشركين قتلُ اولادَهم شركائِهم بنصب اولادهم وجرّ شركائهم، وهنا فصل بين المضاف والمضاف اليه‏.‏ وقرأ الباقون» زَيَّن لكثيرٍ من المشركين قتلَ اولاَدِهم شركاؤُّهم «وقرأ ابن كثير وابن عامر‏:‏» قد خسر الذين قَتَّلوا «بالتشديد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏141‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏141‏)‏‏}‏

أنشأ‏:‏ خلق الجنات‏:‏ الحدائق والبساتين والكروم الملتفة الاشجار لأنها تجُنُّ الارض وتسترها‏.‏ معروشات‏:‏ محمولات على العرائش‏.‏ غير معروشات‏:‏ الاشجار التي تقوم عل سوقها ولا تحتاج الى دعائم‏.‏ الأكُل ‏(‏بضم الهمزة والكاف‏)‏‏:‏ ما يؤكل متشابهاً في النظر وغير متشابه في الطعم‏.‏

ان اصول الدين التي عُني بها القرآن الكريم واهتم ببيانها وكررها كثيرا هي‏:‏ التوحيد، ولقد شدَد عليه لانتشار الوثنية في الجاهلية وتعدد الآلهة، والنبوة والبعث والقضاء والقدر‏.‏

وقد شدد سبحانه وتعالى في تقرير هذه الاصول، وسفّه أراءَ المشركين وبيّن سُخفهم وجهلهم، وجاء هنا ليبيّن عظمة الخالق، والحث على توحيد وإفراده بالعبادة‏.‏ وأنه خالقُ كل شيء‏.‏

‏{‏وَهُوَ الذي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

الله وحدَه هو الذي خلق حدائق منها ما يغُرس ويُرفع على دعائم كالعنب وما شابهه، ومنها ما يقوم على ساقِه من مختلِف الأشجار‏.‏ كذلك خلق النخلَ والزرع الذي يُخرجٍ ثمراً مختلفا في الون والطعم والشكل والرائحة وغير ذلك، كما خلق الزيتون والرمّان متشابهاً في المنظر، وغير متشابه في الطعم، مع ان التربة قد تكون واحدة وتُسقى بماءٍ واحد‏.‏ فكُلوا ايها الناس من ثمر ما خلق لكم اذا نضِج وطاب‏.‏ وأخرِجوا الصدقة منه وقت حصاده، ولا تٌسرفوا في الأكل فَتَضُرُّوا أنفسكم‏.‏ إن الله لا ير ضى عن المسرِفين في تصرُّفاتهم وأعمالهم‏.‏

فالله سبحانه بعد ان أعلم بأنه هو الذي انشأ لهم ما في الارض من الشجر والنبات الذي يستعملون منه أقواتهم، أعلَمَهم بأنه أباح لهم ذلك كلَّه، فليس لأحد غيره أن يُحرِّم شيئا منه عليهم، لأن التحريم حق الله وحده‏.‏ فمن ادّعاه لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى، كما ان من اذعن التحريم غير الله أشرك معه بعض ما خلق‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم‏:‏ «حصاده» بفتح الحاء، والباقون بكسر الحاء وهما لغتان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏142‏]‏

‏{‏وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏142‏)‏‏}‏

الحمولة‏:‏ الكبيرة من الابل والبقر الذي يحمل الناس عليه الاثقال‏.‏ والفرش‏:‏ هو ما يتخذ من صوف الحيوان ووبره وشعره‏.‏ الخطوات ‏(‏واحدها خطوة بضم الخاء‏)‏‏:‏ المسافة بين القدمين في المشي‏.‏

ولقد خلق الله لكم من الانعام، وهي الابل والبقر والضأن والماعز، ما يحمل أثقالكم، وما تتخذون من أصوابها وأوبارها واشعارها فراشا لكم‏.‏ وهي رزقٌ من الله لكم، فكلوا ما أحلّ الله منها ولا تتّبعوا الشيطان واولياءه في افتراء التحليل والتحريم، كما كان يفعل اهل الجاهلية‏.‏‏.‏‏.‏ ان الشيطان لا يردي لكم الخير لانه عدوُّ لكم ظاهر مبين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏143- 144‏]‏

‏{‏ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏143‏)‏ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏144‏)‏‏}‏

ثمانية ازواج‏:‏ يعين أن الانعام اربعة انواع هي‏:‏ الضأن والماعز، والابل والبقر، وكل نوع منه زوج‏.‏‏.‏‏.‏ ذكر وانثى ما اشتملت عليه الارحام‏:‏ الأجنّة‏.‏

بعد ان ذكر الله تعالى أن الأنعام إما حمولة وإما فَرش، فصّلها وقسمها ثمانية ازواج‏.‏ فالحمولة هي الابل والبقر، والغرش من الضأن والماعز، وكل من الاقسام الأربعة إما ذكرٌ وإما انثى‏.‏ وكل هذا التفصيل ليبطِل ما تقوَّله المشركون على الله تعالى بالتحريم والتحليل‏.‏

قل يا محمد للمشركين منكراً عليهم تحريمَ ما حرّموا من هذا‏:‏ ما علّةُ تحريم هذه الازواج كما تزعمون‏؟‏ اهي كونها ذكورا‏؟‏ ليس كذلك، لانكم تُحلُّون الذكور أحيانا‏.‏ أهي كونها اناثا‏؟‏ لي كذلك، لأنكم تحلّون الإناث احيانا‏.‏ أم هي التي في بطونها «ما اشتملت عليه الارحام»‏؟‏ وليس كذلك ايضاً، لأنكم لا تحرّمون الأجنَة على الدوام‏.‏

‏{‏نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏‏.‏

اخبِروني بمستندٍ صحيح يُعتمد عليه، ان كنتم صادقين فيما تزعمون في التحليل والتحريم‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير وابو عمرو، وابن عامر، ويعقوب «المعز» بفتح العين، والباقون بسكونها‏.‏

وخلق الله من الابل زوجين، ومن البقر زوجين، قل لهم يا محمد منكراً عليهم‏:‏ ما علة التحريم لما حرمتم من هذه الازواج كما تزعمون‏؟‏ اهي كونها ذكورا‏؟‏ ليس كذلك، لأنكم تحلون الذكور احيانا أم هي كونها إناثا‏؟‏ ليس كذلك، لأنكم تحلون الاناث احيانا‏.‏ ام هي التي في بطونا‏؟‏ ليس كذلك ايضاً، لأنكم لا تحَرمون الاجنة على الدوام‏.‏ وتزعمون ان هذا التحريم من عند الله‏.‏

‏{‏أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ الله بهذا‏}‏‏.‏

اكنتم حاضرين حين وجّه الله إليكم هذا التحريمَ فسمعتم نهيه‏؟‏ لم يكن ذلك قطعا، فانتهوا عما أنتم فيه‏.‏ إنه ظلم، وليس هناك أظلم ممّن كذّب على الله فنسب اليهما لم يصدر عنه‏.‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏‏.‏

إن مثل هذا الأفّاك إنما يريد اضلال الناس من غير علم يستند عليه‏.‏

‏{‏إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين‏}‏‏.‏

إن الله لا يوفق للرشاد من افترى عليه الكذب، وقال عليه الزور والبهتان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏145‏]‏

‏{‏قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏145‏)‏‏}‏

الطاعُم‏:‏ الآكِلُ‏.‏ المتية‏:‏ البهيمة ماتت بدون ذبح‏.‏ المسفوح‏:‏ السائل‏:‏ كالدم الذي يجري من المذبوح رجس‏:‏ قذر‏.‏ أُهِل لغير الله‏:‏ ذبح باسم الاصنام غير باغ‏:‏ غير طالب لذلك قاصدٍ له ولا عاد‏:‏ ولا متجاوز قدر الضرورة‏.‏

بعد ان بين الله تعالى أنه لي لأحد ان يحرّم شيئا من الطعام ولا غيره الا بوحي من ربه على لسان رسُله الكرام، وإلا كان افتراءً من عنده؛ وأبان ان من هذا الافتراء ما حرمته العرب في الجاهلية من الانعام والحرث- عطَف هنا ليبّين ما حرمه الله على عباده من الطعام على لسان خاتم المرسلين، فقال‏:‏

قل ايها النبي لهؤلاء المفترين على الله الكذب، ولغيرهم من الناس‏:‏ لا اجد فيما اوحاه الله اليّ طعاماً محرّما على آكلٍ الا ان يكون ميتةً لم تُذبح ذبحاً شرعيا، او دماً مسفوحاً سائلا، ‏(‏فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد والطحال، فقد ورد في الحديث‏:‏ «أُحلّت لنا ميتتان‏:‏ السمك والجراد، ودَمان‏:‏ الكبد والطحال» أو يكون لحمَ خنزيرٍ‏.‏ ان ذلك كله خبيث لايجوز اكله‏.‏

‏{‏أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ‏}‏‏.‏

وان لا يكون هذا الشيء المحرم فيه خروج عن العقيدة الصحيحة، كأَنْ ذُكر عند ذبحه اسم غيرِ الله، كصنم او معبود آخر‏.‏ ومع هذا فإن من دعته الضرورة الى أكل شيء من هذه المحرمات غيرَ طالب اللذّة في الطعام، وغير متجاوز قدر الضرورة- فلا حرج عليه‏.‏ إن الله يقدّر المصلحة وهو غفور رحيم‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير وحمزة «تكون ميتة» بالتاء‏.‏ وقرأ ابن عامر «تكون ميتة» بالتاء وبرفع ميتة، وقرأ الباقون «يكون ميتة» بالياء وبنصب ميتة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏146- 147‏]‏

‏{‏وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏(‏146‏)‏ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

الذين هادوا‏:‏ اليهود‏.‏ الظفر للانسان غيره مما لا يصيد، والمخلب والناب لما يصيد‏.‏ الشحم‏:‏ ما يكون على الامعاء والكرش والكلى من المادة الدهنية‏.‏ حملت ظهورها‏:‏ اي علقت بها الحوايا‏:‏ الأمعاء والمصارين بأسه‏:‏ عذابه‏.‏

فيه هذه الآية بيان لما حرمه الله على بني اسرائيل خاصّة، عقوبةً لهم، لا على أنه من اصول شرعه‏.‏

ولقد حرّمنا على اليهود أكل اللحم والشحم وغيرها من كل ما له ظفر من الحيوانات كالإبل والسباع‏.‏ كما حرّمنا عليهم البقر والغنم شحومها فقط، الا الشحوم التي حملتها ظهروها، او التي توجد على الأمعاء، او التي اختلطت بعظم‏.‏‏.‏‏.‏ قد جاء هذا التحريم عقاباً لهم على ظلمهم، لأنه خبيث في ذاته‏.‏

فإن كذّبك المكذِّبون من اليهود والمشركين فيما أوحيتُ اليك يا محمد، فقل لهم محذِّراً‏:‏ ان ربكم الذي يجب ان تؤمنوا به وحده ذو رحمة واسعة لمن اطاعة ولمن عصاه ايضا‏:‏ لذلك لا يعاجلُكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلا تغتّروا به وبسعة رحمته، فإن عذابه لا بدّ وقاع بالمجرمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏148- 150‏]‏

‏{‏سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ‏(‏148‏)‏ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏149‏)‏ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ‏(‏150‏)‏‏}‏

يخرُصون‏:‏ يحزرون، يخّمون، وهو هنا بمعنى الكذب الحجة البالغة‏:‏ الدلال المبينة للقصد المستقيم‏.‏ هلّم‏.‏ احضُروا بربهم يعدلون‏:‏ يتّخذون له عديلاً ومثيلا‏.‏

سيقول المشركون اعتذاراً عن شِركهم، وتحريم ما أحلّ الله من المطاعم وتكذيباً لما أبلغتَهم من مقتِ الله لما عليه‏:‏ إن الإشارك منّا، وتحريمَ الحلال- كانا بمشيئة الله ورضاه ولو شاء عدم ذلك، وكرِه منّا ما نحنُ عليه، ما أشركنا نحنُ ولا أسلاُفنا، ولا حرّمنا شيئاً مما أحلّه لنا‏.‏

ولقد كذَّب الذين من قبلهم رسُلَهم، كما كذّبك هؤلاء، واستمروا في تكذيبهم حتى نزل بهم عذابُنا‏.‏ فقل ايها الرسول لهؤلاء المكذّبين‏:‏ هل عندكم فيما تقولونه هذا علم تعتمدون عليه وتحتجون به‏؟‏ أظهِروه لنا إذا كان عندكم ذلك‏.‏ إننا نود أن نفهمه ونوازنَ بينه وبن ما جئناكم به من الآيات الواضحة‏.‏

ثم يُبَيّن حقيقة حالهم بقوله تعالى‏:‏

‏{‏إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ‏}‏‏.‏

أي إنكم لستم على شيء من العلم، وما تتبعون فيما تقولون الا الظنَّ الذي لا يُغني من الحق شيئا‏.‏

وبعد ان نفى سبحانه وتعالى عنهم حقيقة العلم- أثبت لذاته الحجةَ البالغة التي لا تعلوها حجة فقال‏:‏

‏{‏قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏‏.‏

قل أيها النبي لهؤلاء الجاهلين‏:‏ إن لِلّهِ الحجةَ الواضحة على كذبكم وادّعائكم أن الله قد رضيَ بعلمكم، ولا حجةَ لكم فيما تزعمون من الشِرك والتحليل والتحريم وغيرهما، ولو شاء الله أن يَهديكم بغير هذه الطريقة التي اقام امر البشر عليها ‏(‏وهي التعليم والارشاد بطريق النظر والاستدلال‏)‏- لهداكم اجمعين، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة، ولجعل الطاعة فيكم بغير شعور منكم ولا ارادة‏.‏‏.‏‏.‏ وحينئذ لا تكونون من نوع الانسان الذي قضت الحكمة وسبق العلم بخلقه مستعدّاً لمل الخير والشر، الحق والباطل‏.‏

وبعد أن نفى عنهم العلم وسجّل عليهم اتّباع الهوى- أمَر رسوله الكريم ان يطالب المشركين بإحضار من عساهم يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات ما ادّعوه فقال‏:‏

‏{‏قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا‏}‏‏.‏

هاتوا أنصاركم الذين يشهدون لكم ان الله حرم هذا الذي زعمتم انه حرام‏.‏ فان حضروا وشهدوا، فلا تصدِّقهم يا محمد، لأنهم كاذبون وإياك أن تتّبع أهواء هؤلاء الذين كذّبوا بالأدلة الكونية والقرآن المتلُو، والذين لا يؤمنون بالآخرة، كما شركون بالله، ويتخذون له مثيلاً يشاركه في قدرته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏151- 153‏]‏

‏{‏قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏151‏)‏ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏152‏)‏ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏153‏)‏‏}‏

الاملاق‏:‏ الفقر‏.‏ الفواحش‏:‏ مفردها فاحشة، وهي كل ما قبح من الاقوال والافعال‏.‏ يبلغ أشُده‏:‏ تكتمل قواه العقلية والجسمية ببلوغ سن الرشد‏.‏ القسط‏:‏ العدل‏.‏ لا تتبعوا السُبل‏:‏ لا تحيدوا عن تعاليم الإسلام فتخسروا‏.‏

بعد ان بين الله بعاده جميع ما حرّم عليهم من الطعام، وذكر حجته البالغة على المشركين، لتحريمهم ما لم يحرّمه الله، ثم دحض شُبهتهم التي اتجوا بها على شِركهم بربهم- جاء بهذه الآيات الثلاث فيها بيان أصول المحرمات في الاقوال والافعال، واصول الفضائل وانواع البر‏.‏ وقد عبر عنها بعض المفسرين بالوصايا العشر‏.‏

قل لهم ايها النبي‏:‏ تعالوا أبيّن لكن المحرمات لاتي ينبغي ان تهتموا بها وتبتعدوا عنها‏:‏

1- لا تجعلوا لله شريكاً ما، بأي نوعٍ كان من انواع الشرك‏.‏

2- وأحسنِوا الى الوالدين غاية الإحسان والبر‏.‏

3- ولا تقتلوا أولادكم بسبب فقرٍ نزل بكم، فلستم، انتم الرازقين، بل نحن الذين نرزقكم ونرزقهم‏.‏

4- وابتعِدوا عن كل ما عظم قُبحه من الأعمال‏.‏ وقد جاءت كلمات فاحشة وفحشاء وفواحش في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء‏}‏‏.‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ‏}‏‏.‏ ‏{‏يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ‏}‏ فكل عمل قبيح هو فاحشة‏.‏ وقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ «لا أحدٌ أَغْيرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش‏:‏ ما ظَهر منها وما بطَن»‏.‏

5- ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق‏}‏، يعني إذا استحق القاتل ذلك‏.‏ وفي الحديث الشريف «لايحل دم امرئ مسلم الا بأمور ثلاثة‏:‏ كفرٌ بعد ايمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق»‏.‏

‏{‏ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏‏.‏

أمركم الله تعالى أمراً مؤكّدا باجتناب هذه المنهيات لتعقلوا ذلك‏.‏

6- ولا تتصرفوا في مال اليتتيم الا بأحسنِ تصرُّف يحفظه وينميه، فاحفظوا مال اليتيم، وثمّروه، وأنفقوا منه على تربيته وتعليمه ما يصلُح به معاشه واستمرّوا على ذلك حتى يبلغ رُشده، ويستطيع ان يستغل ماله بالتصرف السليم‏.‏ فإذا بلغ فسلِّموه إليه كم قال تعالى في آية اخرى‏.‏ ‏{‏فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ‏}‏‏.‏

7- وأتِمّوا الكيل إذا كِلتم للناس، او اكتلتم لأنفسكم‏.‏ وأفو الميزانَ إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون، او لغيركم فيما تبيعون ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفهم الله بقوله‏:‏ ‏{‏الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ فالله تعالى لا يكلّف نفساً الا ما تستطيعه دون حرج‏.‏

وهذا الامر وقع في الأُمم التي قبلَنا قديماً كما حكى الله تعالى عن قوم شعيب بقوله‏:‏ ‏{‏وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ‏}‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم لصحاب الكيل والميزان‏:‏ «إنكم وُلِّيتم أمراً هلكتْ فيه الأمم السالفةُ قَبلكم»‏.‏ ولا يزال ذلك يقع من كثي من ضعاف النفوس‏.‏

8- ‏{‏وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى‏}‏ اذا قلتم قولاً في حكمٍ او شهادة او خير او نحو ذلك، فلا تميلوا عن العدل والصدق، دون مراعات لصِلة القرابة او المصاهرة او الجنس‏.‏ فبالعدل والصدق تصلح شئون الأمم والافراد، فلا يحلُّ لأحد ان يحابي احداً لقرابة او غيرها ‏{‏يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط‏}‏ و

9- ‏{‏وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ‏}‏ وأوفوا بعهد الله، فلا تنقُضوا عهده الذي أخذه عليكم بالكاليف، ولا العهودالتي تأخذونها بينكم، فيما يتلعق بالمصالح المشروعة ‏{‏والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ‏}‏‏.‏ فمن آمن فقد عاهد الله حين الإيمان به ان يمتثل أوامره ونواهيه، وما شرعه لناس ووّصاهم به‏.‏

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمران ان النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أربعٌ من كنّ فيه كان مفاقاً خلاصا، ومن كانت فيه خصلة منها كانت فيه خصلة من النِفاق حتى يدَعَها‏:‏ اذا حدَّث كذَب، واذا وعَد أخلف، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر»‏.‏

‏{‏ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏ ان ذلك الذي تلوتُه عليكم من الأوامر والنواهي وصاكم الله به رجاء ان يذكره بعضكم لبعض مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر‏}‏‏.‏

‏{‏وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ‏}‏‏.‏

وان هذا القرآن الذي ادعوكم اليه، وادعوكم به الى ما يحييكم، هو صراطي ومنهاجي الذي اسلكه الى مرضاة الله، لا يَضِلُّ سالكه، ولا يهتدي تاركه‏.‏

10- لا تتعبوا الطرق الباطلة المضلّة التي نهاكم الله عنها، حتى لا تتفرقوا شيعا واحزابا، وتبعدواعن صراط الله المستقيم، كما هو حاصلٌ اليوم‏.‏ فنحن لنا في كل خِربةٍ دولةٌ ذات مجد‏!‏‏!‏ هدانا الله وتجاوز عما نحن فهي من مخادعة‏!‏

اخرج الامام احمد والنسائي وابو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏

«خطّ رسول الله خطاً بيده، ثم قالك سبيلُ الله مسقيما، ثم خط خطوكاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال‏:‏ وهذِه السبُل ليس منها سبيل الا عليه شيطان يدعو اليه» ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ‏}‏‏.‏

وقد جعل الله تعالى المستقيم واحدا والسبلَ المخالفة متعددة، لأن الحق واحدٌ والباطل كثير‏.‏ ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق فيه يجمع الكلمة ويعز اهل الحق، كان التفرق فيه سبب الضَّعف وذلك التفرقين وضياع حقهم‏.‏

‏{‏ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ لقد أوصاكم باتباع صراط الحق المستقيم ونهاكم عن سبل الضلالات والأباطيل ليهيئكم لاتقاء كل ما يشقي ويردي في الدنيا والآخرة‏.‏

وقد وردت احاديث كثيرة بشأن هذه الوصايا، من ذلك ما أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أَيُّكم يبايعني على هؤلاء الآيات االثلاث‏؟‏ ثم تلا‏:‏ قل تَعالوا أتلُ ما حرّم ربُّكم عليكم‏.‏‏.‏‏.‏ ثم قال فَمن وفى بهنّ فأجرُه على الله، ومن انتقص منهنّ شيئاً فأدركه الله في الدُّنيا كانت عقوبتُه، من أخّر إلى الآخرة كان أمرُه الى الله، إن شاء أخذه وان شاء عفا عنه»‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي «وإن هذا طرطي» بكسر همزة إن‏.‏ وقرأ ابن عامر ويعقوب «وأنْ هذا صرايط» بفتح همزة أَن وبتخفيف النون وقرأ ابن عامر «صراطيَ» بفتح الياء والباقون بتسكين الياء‏.‏ وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وعاصم‏:‏ وأنَّ، بفتح الهمزة وتشديد النون‏.‏

لقد رسمتْ هذه الآيات للإنسان طريق علاقته بربه الذي يرجع اليه الاحسان والفضل في كل شيء‏:‏ «ألاّ تُشرِكوا به شيئا»، ووضعت الأساس المتين الذي يُبنى عليه صرح الأُسَر التي تكوِّن الأمةَ القوية الناجحة في الحية‏:‏ «وبالوالدَين إحسانا»، وسدّت منافذ الشر الذي يصب الانسان من الانسان في الأنفُس والأعراض والاموال، وهي عناصر لا بدّ لسلامة الأُمة من سلامتها‏:‏ «ولا تقتلوا أولادَكم»، «ولا تقتلوا النفسَ» «ولا تقربوا مال اليتيم» ثم ذكرتْ أهمّ المبادئ التي تسمو الحياة الاجتماعيةُ بالتزامِها والمحافظة عليها‏:‏ «وأوفوا الكيلَ والميزان» «واذا قُلتم فاعِدلوا» «وبعهدِ الله أَوفوا» وخَتمت بأن هذه التكاليف، وتلك المبادئ، هي الصِراط المستقيم، بُعِث به محمد عليه الصلاة والسلام، كما بعث به جميع الرسل السابقين‏.‏

وقد اطلق العلماء على ما جاء في هذه الآيات الثلاث «الوصايا العشر» نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقولِ الله‏:‏ «ذلكُم وصّاكم به» وقد روي عن عبد الله بن مسعود انه قال‏:‏ «مَن سرَّه أن ينظر الى وصيّةِ محمد التي عليها خاتَمُه فليقرأْ هذه الآيات‏:‏ ‏{‏قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله‏:‏ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏‏.‏

ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال‏:‏

لما امر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم ان يَعرِض نفسه على قبائل العرب خرج الى مِنَى وأنا وأبو بكرٍ معه‏.‏ فوقف رسول الله على منازل القوم ومضاربهم، فسلَّم عليهم وردّوا السلام‏.‏ وكان في القوم مفروقُ بن عمرو، وهانئ بن قَبيصة، والمثنّى بنُ حارثة والنعمانُ بن شَريك‏.‏

وكان مفروق أغلبَ القوم لساناً وأوضَحهم بياناً، فالتفتَ إلى رسول الله وقال له‏:‏ إلامَ تدعو يا أخا قريش‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أدعوكم إلى شهادة ان لا إلهَ الا الله وحدَه لا شريك له، وأَنّي رسولُ الله، وان تُؤوُني وتنصروني وتمنعوني حتى أوْدّيَ حقّ اللهِ الذي أمرني به، فن قريشاً قد تظاهرتْ على أمر الله، وكذّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد»‏.‏

فقال مفروق‏:‏ وإلامَ تدعو أيضاً يا أخا قريش‏؟‏ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «قل تعالوا تل ما حرّم ربكم عليكم‏.‏‏.‏ الآيات الثلاث»‏.‏

فقال مفروق‏:‏ وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه‏.‏ فتلا رسولُ الله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏ فقال مفروق‏:‏ دعوتَ واللهِ يا قرشِيُّ إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الاعمال، وقد أفِكَ قوم كذّبوك وظاهروا عليك‏.‏

وقاله هانئ بن قبيصة‏:‏ قد سمعتُ مقالتك واستحسنتُ قولك يا أخا قريش ويعجبين ما تكلّمت به‏.‏ فبشّرهم الرسول- إن آمنوا- بأرضِ فارسَ وانهارِ كسرى‏.‏ فقال النعمان‏:‏ اللهمُّ وإنّ ذلك يا اخا قريش‏؟‏ فتى رسول الله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً‏}‏ ثم نهض رسول الله وتركَهم وكلًّهم يعجَب من هذه الفصاحة، وتلك المعاني السامية، والفضائل العليا‏.‏

هذه مكانة الآيات الثلاث من ذلك الكتاب العظيم، وهذا مبلغ تأثيرها في نفوس العرب، أهلِ الجاهلية‏!‏ وكيف لا تكون لها تلك المكانةُ وقد جمعتْ بأسلوبها الآخذِ بالقلوب أصولَ الفضائل، وعُمُدَ الحياة الطيبة التي تنبع من الفطرة السليمة‏!‏‏!‏

وبعد، فأين المسلمون اليوم حينما يمسعون هذه الآيات، ثم ينظرون إلى ما هم فيه من تفرُّق في الآراء والأحكام، ومجافاةٍ لاحكام الله، وبُغضٍ لما لا يتفق واهواءَهم منها، ومن الارتماء في أحضان أعدائهم المستعمرين، قدامى وجُدُد‏!‏‏!‏

نسأل الله تعالى ان يجمعنا على كتابه الكريم ويهدينا الصراط المستقيم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏154- 157‏]‏

‏{‏ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ‏(‏154‏)‏ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏155‏)‏ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ‏(‏156‏)‏ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

تماما على الذي احسن‏:‏ تماما للنعمة على المحسنين‏.‏ الدارسة‏:‏ القراءة والعلم‏.‏ صَدَفَ عنها‏:‏ اعرض عنها‏.‏

ولقد أنزلنا التوراة على موسى استكمالاً للإنعام على من احسن القيام بأمر الدين، وانزلناه مفصِّلاً لكل شيء من التعاليم المناسبة لقومه، وهدى الى الطريق السويّ، ورحمةً لمن اهتدى به‏.‏‏.‏‏.‏ وذلك ليؤمن بنو اسرائيل بلقاء ربهم يوم القيامة‏.‏

وقعد ان وصف التوراة بتلك الصفات وصف القرآن الكريم فقال‏:‏ وهذا القرآنُ كتابٌ أنزلناه، مبارَك مشتمِلٌ على الخير الإلهي، والمنافع الدينية والدنيوية، وجامع لاسباب الهداية الدائمة، فاتّبعوا يا أيها الناس ما هداكم إليه، واتّقوا ما نهاكم عنه، ‏{‏لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏‏.‏

وأنزلنا اليك ايها النبيّ هذا الكتاب المرشدَ الى توحيد الله وطريق طاعته، حتى لا يعتذر من تبلّغهم إيّاه ويقولوا يوم القيامة‏:‏ انما أُنزل الكتاب على طائفتين من قَبْلِنا، اليهود والنصارى، وكّنا عن تلاوتهما ذلك الكتاب غافلين‏.‏ بل نحن لا ندري ما هي التوراة ولا الانجيل لعدم فهمنا ما يقول أهلهما، اذا كانا بلسان غير لساننا‏.‏

‏{‏أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّآ أهدى مِنْهُمْ‏}‏‏.‏

كذلك نزلنا هذا القرآن حتى لا تقولو‏:‏ لو انزل علينا الوحيُ الذي نزل عليهم، لكنّا اكثر منهم هداية وأحسنَ حالا، لسعةِ عقولنا وطيب استعدادنا‏.‏

وهنا ردّ الله عليهم بجواب قاطع لكل حجة، دافع لكل اعتذار، فقال‏:‏ ‏{‏فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ‏}‏‏.‏

فلا حجة لكم بعد اليوم على عصيانكم، ولا محلَّ لقولكم هذا‏.‏ لقد جاءكم القرآن علامةً واضحة عل صدق محمد صلى الله عليه وسلم ومبيّناً كل ما تحتاجون اليه في دينكم ودنياكم‏.‏

وبعد ان بيّن سبحانه وتعالى عظيم قدرِ هذا الكتاب بيِّن سوءَ عاقبة من كذّب به فقال‏:‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا‏}‏‏.‏

ان هذه الآيات مشتملة على الهداية الكاملة، والرحمة الشاملة، هل هناك أحدٌ أظلمُ ممن كذّب بها واعرض عنها‏!‏‏؟‏‏.‏

‏{‏سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سواء العذاب بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ‏}‏‏.‏

وسنعاقب الذين يُعرضون عن آياتنا ولا يتدبّرون ما فيها بالعذاب البالغ غايته في الإيلام، جزاء إعراضهم وعدم تدبرهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏158‏]‏

‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ‏(‏158‏)‏‏}‏

بعد أن بين الله تعالى انه انما انزل الكتاب ازالةً للعذر، وهدى ورحمة للناس، بيّن هنا انه لا أمل في إيمان هؤلاء المعانِدين‏.‏ ماذا ينتظرون‏؟‏ لقد قامت الحُجَّة على وجوب الايمان ولم يفعلوا‏!‏ فماذا ينتظرون‏!‏‏!‏

هل ينتظرون ان تأتيهم الملائكة رُسلاً بدل البشَر‏؟‏ او ينتظرون شاهدين على صدقك‏؟‏ او ان يأتيهم ربك ليروه عيانا، او يشهد بصدقك‏؟‏ او ان تأتيهم بعض علامات ربك لنفس الغرض‏؟‏

ثم يشير الى تماديهم في تكذيب آيات الله، وعدم اتعدادهم بها، وانه لا امل في ايمانهم البتة‏.‏

‏{‏يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

وعندما تأتي علامات ربك ما تُلجئهم الى الايمان لن ينفعهم إيمانهم حينئذٍ، اذ يكون قد فات الأوان، وانتهت مرحلة التكليف، فلا ينفع العاصي ان يتوب‏.‏

قل لهؤلاء المعرضين المكذبين‏:‏ انتظروا احد هذه الامور الثلاثة، واستمروا على تكذيبكم، انا منتظرون حكم الله فيكم‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي‏:‏ «يأتيهم الملائكة» بالياء والباقون «تأتيهم» بالتاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏159‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏159‏)‏‏}‏

فرّقوا دينهم‏:‏ غيروا فيه وحعلوه اديانا‏.‏ شيعا‏:‏ فِرقا واحزابا‏.‏

بعد ان وصى الله تعالى هذه الأمة على لسان رسوله باتّباع صراطه المستقيم ونهى عن اتّباع غيره من السبُل الضالة، ثم ذكر شريعة التوراة الاصلية ووصاياها- جاء يذكّر رسوله الكريم بان هذه الأمم التي قبله بدّلوا وغيّروا وتفرقوا‏.‏ أما هو وأُمته الإسلامية فليسوا منهم، والله سبحانه سيُعْلم يوم القيامة بكل ما فعلوا‏.‏

لستَ يا محمد من الذين فرّقوا الدين الحق الواحد بالعقائد الزائفة والتشريعات الباطلة، ولا تؤاخذ بتفرقهم وعصيانهم، فأنت لا تملك هدايتهم‏.‏ ما عليك الا البلاغ، والله وحده هو الذي يملك امرهم، ثم يخبرهم يوم القيامة بما كانوا يفعلونه في الدنيا‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي‏:‏ «فارقوا دينهم» والباقون «فرقوا دينهم» والمعنى واحد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏160- 160‏]‏

‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏160‏)‏‏}‏

بعد ان بين الله في هذه السورة العظيمة أصول الايمان، وأقام عليها البراهين، وفنّد ما يورده الكفار من الشبهات، ثم ذكر في الوصايا العشر اصول الفضائل والآداب التي يأمر بها الاسلام وما يقابلها من الرذائل والفواحش- انتقل هنا ليبيّن الجزاء العام على الحسنا‏:‏ كيف يزيد الله لمن يعلمها اضعافا، فيما يجزي من يعمل السيئة سيئة مثلها فقط وهذا فضل عظيم من رب رحيم‏.‏

من عملَ صالحاً يضاعَف له عند ثوابه الى عشرة أمثاله فضلاً وكرما‏.‏ وقد جاء في بعض الآيات ‏{‏مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً‏}‏ ووعد في بعضها بالمضاعفة الى سبعمائة ضعف كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏ والعشرة تُعطى لمن أتى بالحسنَة، أما المضاعفة فوق ذلك فتختلف بحسب ما يكون البذْلُ والعطاء والمنفعلة والمصلحة‏.‏

أما من عملَ سيئا فإنه سوف يعاقب بمقدار عصيانه فقط، ذلك عدلٌ من الله، وليس هناك ظلمٌ بنقصِ ثواب، ولا زيادة عقاب‏.‏

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال‏:‏ «ان الله تعالى كتَبَ الحسنات والسيئات، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعلها كتبها الله عنده عشرَ حسناتٍ الى سبعمائة ضعف إلى اضعاف كثيرة‏.‏ ومن همّ بيئةٍ فلم يعملْها كتبها الله حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعلَمها كتبها الله سيئةً واحدة»‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ يعقوب «عشرةٌ امثالها» برفع عشرة منونة، وامثالها ايضا مرفوعة، الباقون «عشر امثالها»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏161- 165‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏161‏)‏ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏162‏)‏ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏163‏)‏ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏(‏164‏)‏ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏165‏)‏‏}‏

دينا قيما‏:‏ دين يقوم به امر الناس في معاشهم‏.‏ وفي قراءة‏:‏ «قيما» بفتح القاف وتشديد الياء‏:‏ ومعناه ايضا‏:‏ مستقيم، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَذَلِكَ دِينُ القيمة‏}‏ يعني دين الامة المستقيمة‏.‏ حنيفا‏:‏ مخلصا لعبادة الله نسكي‏:‏ عبادتي محياي ومماتي‏:‏ كل ما آتيه في حياتي، وما اموت علهي من الايمان والعمل الصالح‏.‏ ابغي‏:‏ اطلب‏.‏ الوزر‏:‏ الحمل الثقيل والاثم ومعنى «لا تزر وازرة وِزْرَ اخرى» لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره خلائف‏:‏ خلفاء، مفرده خليفة ليبلوكم‏:‏ ليختبركم‏.‏

لما كانت هذه السورة أجمعَ السور لأصولِ الدين، مع اقامة الحجج عليها ودفع الشبهة عنها، وإبطال عقائد أهل الشرك وخرافاتهم- جاءت هذه الخاتمة بقول جامعٍ لجملة ما فُصّل فيها‏.‏ وهو أن الدين القيّم والصراطَ المستقيم هم ملةُ إبراهيم دون ما يدّعيه المشركون، وما حرّفه أهلُ الكتاب‏.‏ وان النبي عليه الصلاة والسلام مستمسكٌ به، معتصِمٌ بحَبْله، يدعو اليه قولاً وعملا وأنه هو الذي أكل الدينَ بعد ان انحرفت الامم السابقة عنه‏.‏

ثم بيّن الجزاء عند الله على الأعمال، لا يؤاخَذ أحدٌ بذنْب غيره، وأن المرجعَ إلى الله، فهو الذي يستخلف في الارض من يشاء ويختبر البشر بالنِعم والنِقَم، يتولّى عقاب المسيئين ورحمةَ المحسنين، فلا واسطة بينه وبين عباده‏.‏

قل ايها النبي لقومك ولسائر البشر‏:‏ إن ربّي أرشدّني الى طريق مستقيمٍ بلغ نهاية الكمال وكان هو الدينَ الذي اتّبعه ابراهيم مخلصاً في عبادة الله وحده، مائلاً عن العقائد الباطلة، فلم يعبد مع الله إلهاً آخر كما يزعم المشركون‏.‏

ثم قل‏:‏ إن صلاتي وجميع عبادتي، وما آتيه حالَ حياتي من الاعمال الصالحة، وما أموت عليه من الايمان- كله خالص لوجه الله، اذي لاينبغي ان تكون العبادة إلاَّ له، فهو رب العباد وخالقهم، فاستحقّ أن يُعبد وحده ويُطاع‏.‏

إنه لا شريك له في الخلق، ولا في استحقاق العبادة، وقد أمرني بالإخلاص في التوحيد والعمل، وأنا اول المنقادين الى امتثال اوامره، وترك ما نهى عنه‏.‏

قل يا محمد منكِراً على المشركين دعوتهم اياك لموافقتهم في شركهم‏:‏ أأطلب بالعبادة ربّاً غير الله، مع انه خالقُ كل شيء‏؟‏ وقل لهم‏:‏ لا تكسِب كلُّ نفسٍ إثماً الا كان عليها جزاؤه دون غيرها، ولا تؤاخذ نفس بأخطاء غيرها «وأن ليس للإنسان الا ما سعى» ثم تُبعثون يوم الحشر إلى ربكم، فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه من أمر أديانكم وعقائدكم ويجازيكم عليها‏.‏

ليس للإنسان إلا ما عمل من عمل صالح، وفي الحديث الصحيح فيما رواه مسلم وأبو داود والنَّائي عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا مات الانسان انقطع عملُه إلا من ثلاث‏:‏ صدّقةٍ جارية، اوعلم يُنتفع به، او ولدٍ صالحٍ يدعو له»‏.‏

إن ربكم، الذي هو رب كل شيء، هو الذي جعلكم خلفاء للأمم السابقة في عمارة الكون، ورفعَ بعضَكم فوق بعض درجات في الكمال المادّيّ والعنويّ، لخيتبركم فيما أعطاكم من النعم كيف تشكرونها، وفيما آتاكم من الشرائع كيف تعملون بها‏.‏ لكنه سريع العقاب للمخالفين العاصين‏.‏

وهو سبحانه على سرعة عقابه وشديد عذابه للمشركين المخالفين، غفورٌ للتوابين رحيم بالمؤمنين المحسنين، فلقد سبقت رحمتُه غضبَه، ووسعتْ كل شيء‏.‏

خلاصة ما اشتملت عليه وسورة الانعام من العقائد والاحكام‏:‏

1- العقائد وأدلتها، بأسلوب يجمع بين الاقناع والتأثير، كبيان صفات الله بذكر أفعاله وسُنته في الخلق، وآياتهِ في الانفس والآفاق، وتأثير العقائد في الأعمال، مع إيراد الحقائق بطريق الجدَل والمناظرة، او على طريق السؤال والجواب، وفي أثناءِ ذلك يأتي الردّ على شبهات المشركين‏.‏

2- الرسالة والوحي وتنيد مكابرة المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم، والزمهم الحجة بآية الله الكبرى، وهي القرآن‏.‏

3- البعث والجزاء والوعد الوعيد، بذِكر ما يقع يوم القيامة من العذاب للمجرمين، والبشارة للمتقين بالفوز والنعميم‏.‏ هذا مع ذكر علام الغيب من الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار‏.‏ وقد كان العرب كغيرهم من الأمم يؤمنون بالملائكة وبوجود الجن، ويعتقدون أنهم يظهرون لهم أحياناً في صورة الغِيلان فيسمعون اصواتهم، وأنهم يُلقون الشعرَ في هواجس الشعراء‏.‏

4- اصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب، والنهي عن الرذائل، وأن دين الله واحد، لكنه تم تفريقُه بالمذاهب والأهواء، وان سعادة الناس وشقاءهم من اعمالهم النفسيّة والبدنية، وان الجزاء على الاعمال يكون بحسب تأثيرها في الانس، فالجزاء على السيئة سيئة مثلها، وعلى الحسنة عشرة امثالها، ولا يحمل أحد ذنْب غيره‏.‏ ثم يأيت الترغيب في معرفة الكون والإرشاد الى معرفة سنُن الله فيه، وآياته الكثيرة الدالّة على علمه وقدرته، وان التوبة الصحيحة مع ما يلزمها منا لعمل الصالح موجبة لمغفرة الذنوب وابتلاء الناس بعضهم ببعض، ليتنافسوا في العلوم والاعمال النافعة، واعلاء كلمة الحق‏.‏

سورة الأعراف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏المص ‏(‏1‏)‏ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏2‏)‏ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

المص‏:‏ هذه حروف تكتب بصورة كلمة واحدة، ولكن نقرؤها باسماء حروفها، فنقول‏:‏ الف لام ميم صاد هكذا‏.‏

وحكمته افتتاح هذه السورة وامثالها ابسماء الحروف التي ليس لها معنى مفهومٌ غير مسمّاها الذي تدل عليه، وهي تنبيهُ السامع الى ما سيُلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام، حتى يفوتَه من شيء‏.‏ فكأنه أداةُ استفتاحٍ يمنزلة ألا، وهاء التنبيه‏.‏

والسوَر التي بدئت بالأحرف وبذكر الكتاب، هي التي نزلت بمكة لدعوة المشركين الى الإسلام، واثبات النبوة والوحي‏.‏ أما ما نزل منها بالمدينة البقرة وآل عمران، فالدعوة فيه موجَّهة الى اهل الكتاب‏.‏ وهكذا الحال في سورة مريم والعنكبوت والروم، و‏(‏ص‏)‏، و‏(‏ن‏)‏ فإن ما فيها يتعلق بإثبات النبوّة والكتاب كالفتنة في الدين بإيذاء الضعفاء لإرجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة، وكالإنباء بقصص فارسَ والروم ونصرِ الله للمؤمنين على المشركين وكان هذا من اظهر المعجزات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

الحرج‏:‏ الضيق من عاقبة المخالفة الذكرى‏:‏ التذكر النافع والموعظة المؤثرة‏.‏ ولاية الله لعباده‏:‏ تولّي أمروهم ونصرهم على اعدائهم‏.‏ تذكّرون‏:‏ اصله تتذكرون‏.‏

لقد أُنزلَ إليك القرآن من عند ربِّك لتنذِر به المكذبين ليؤمنوا، وتذكِّر به المؤمنين ليزدادوا إيماناً، فلا يكن في صدرك ايها النبيّ ضيق من الإنذار به وابلاغه إلى من أُمرتَ بالإبلاغه اليهم‏.‏ ولا تخشَ تكذيبهم، واصبِر كما صبر أولو العزمِ من الرسل‏.‏

أما انتم يا أصحاب الرسول فاتّبعوا ما اوحاه ربكم ولا تتّبعوا من دون الله أولياءَ تولُّونهم أمورَكم وتستجِيبون لهم وتستعينون بهم، فالله وحدَه هو الذي يتولّى أمر العباد بالتدبير والخلق والتشريع، وبيده النفع والضرر‏.‏

‏{‏قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ‏}‏‏.‏

ما تتَّعظون إلا قليلا، حيث تتركون دينه تعالى وتتّبعون غيره‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي وحفص‏:‏ «تذكرون» بفتح التاء والذال المخففة، وابن عامر‏:‏ «يتذكرون» بالياء والتاء‏.‏ وقرأ الباقون «تذكرون» بتشديد الذال والكاف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏

‏{‏وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ‏(‏4‏)‏ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

القرية‏:‏ هنا تعني المكان والسكّان‏.‏ البأس‏:‏ العذاب بياتا‏:‏ ليلا على حين غرة‏.‏ او هم قائلون‏:‏ وسط النهار وقت القيلولة دعواهم‏:‏ قولهم‏.‏

بعد ان بين الله تعالى انه أنزل الكتاب الى الرسول الكريم لنيذر به الناسَ ويكونَ موعظةً وذِكرى لأهل الايمان، وانه طلب اليه ان يأمر الناس باتباع ما أُنزل اليهم من ربهم، وان لا يتبعوا من دونه أحداً- أردف هنا بالخويف من عاقبة الخالفة لذلك، وبالتذكير بما حلّ بامم قبلَهم بسبب إعارضهم عن الحق، وإصرارهم على الباطل‏.‏

‏{‏وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ‏}‏‏.‏

لقد اهلكنا كثيراً من القرى بسبب عبادة اهلها غيرَ الله وسلوكهم غير طريقه‏.‏ وقد جاءهم عذابنا في وقت غفلتهم ليلاً وهم نائمون، كما حدث لقوم لوط، او نهاراً وهم مستريحون وقت القيلولة كقوم شعيب‏.‏

‏{‏فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قالوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ‏}‏‏.‏

فاعترفوا بذنبهم الذي كان سببَ نكبتهم، وكان دعاؤهم واستغثُتهم حين جاءهم عذابنا أن قالوا- حيث لاينفهم ذلك- إنّا كنّا ظالمين لأنفسنا بالمعصية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 9‏]‏

‏{‏فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏6‏)‏ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ‏(‏7‏)‏ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏8‏)‏ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

قص‏:‏ اخبر الوزن‏:‏ هنا نتيجة الحساب توزن الاعمال بميزان دقيق‏.‏ ثقلت موازّينه‏.‏ كانت اعماله صالحة خفت موازينه‏:‏ كانت اعماله سيئة بآياتنا يظلمون‏:‏ يكذبون‏.‏

بعد ان أمر الله الرسُلَ في الآية السابقة بالتبليغ، وأمر الأمم بالقبول والاتّباع، ثم ذكّرهم بعذاب الأمم التي عاندت وعصت الرسُل السابقين- ذكر هنا ان الحساب يوم القيامة دقيق وعادل، حيث يُسأل كل انسان عن عمله ويحاسب عليه‏.‏ يومئذٍ يُسأل الناسُ‏:‏ هل بَلَغَتهم الرسالة‏؟‏ وبماذا اجابوا المرسلين‏؟‏ ولنسأل الرسل ايضا‏:‏ هل بلَّغتم ما أُنزل اليكم‏؟‏ وبماذا اجابكم اقوامكم‏؟‏

‏{‏فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ‏}‏‏.‏

ولَنخبرنّ الجميع أخباراً صادقة بجميع ما كان منهم، لأننا أحصينا عليكم كل شيء‏.‏ إننا لم نكُ غائبين عنهم في وقتٍ من الأوقات ولا حالٍ من الاحوال، وسيكون السؤال ههنا للإعلام والإخبار، توبيخاً لهم وتأنيباً على رؤوس الاشهاد‏.‏

روى الترمذي عن أبي الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال‏:‏ «لا تزولُ قدما عبدٍ حتى يُسألَ عن عُمُره فِيمَ أفناه، وعن عِلمه فيم عمِل به، وعن مالِه من اين اكتسبَه وفيم انقه، وعن جمسه فيم أبلاه» ‏{‏والوزن يَوْمَئِذٍ الحق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ وفي ذلك اليوم يكون تقدي الأعمال تقديرا عادلا، ليأخذ كلُّ واحداٍ ما يستحقه من ثواب وعقاب فالذين كثُرت حسناتُهم ورجَحَتْ على سيئاتهم همُ الفائزون بالنجارة من العذاب، والحائزون للنعيم في دار الثواب‏.‏ أما الذين كثُرت سيئاتهم ورجحت على حسناتهم فهم الخاسِرون، لأنهم باعوا أنفسَهم للشيطان‏.‏

ونحن لا نعلم كيفية وزن الحسنات والسيئات واذا كان العلم الحديث قد صنع موازين للحر والبرد واتجاه الريح والامطار وخزن المعلومات في الكمبيوتر وغير ذلك فان الله تعالى لا يعجز عن وزن الحسنات والسيئات وهو القادر على كل شيء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

مكّناكم في الارض‏:‏ جعلنا لكم قوةً لاستغلالها‏.‏ معايش‏:‏ جمع معيشة‏:‏ وهي كل ما يمكن من وسائل العيش‏.‏

بعد ان بين الله تعالى أنه هو واضعُ الدِين فيجب اتّباعه، وقفّى على ذلك بذكر عذاب الدنيا، وذكَر عذاب الآخرة- أردف هنا بذكر ما انعم به على عباده‏.‏

ولقد مكّناكم في الأرض وجعلنا لكنم أوطاناً تستقرون فيها، ومنحناكم القوة لاستغلالها، وهيأنا لكم وسائل العيش فيها، من نبات وأنعام وطير وسمك ومياه عذبه واشربة مختلفة الطعوم والروائح، ووسائل مختلفة للتنقل والارتحال من جهة الى اخرى تتقدم بتقدم العلم والاختراع، وغير ذلك مما يرفّه عنكم ‏{‏وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا‏}‏ وكل ذلك يقتضي منكم الشكَر الكثير، لكنّكم ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ‏}‏ وكما قال تعالى في آية اخرى ‏{‏وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور‏}‏‏.‏

قراءات‏:‏

معايش بالياء، قرأ بذلك جميع القرّاء ورُوي عن نافع «معائش» بالهمز‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 18‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ‏(‏11‏)‏ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ‏(‏12‏)‏ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ‏(‏13‏)‏ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏14‏)‏ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ‏(‏15‏)‏ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ‏(‏17‏)‏ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

الخلق‏:‏ التقدير خلق الله الخلق‏:‏ أوجدهم من العدم‏.‏ الهبوط‏:‏ الانحدار اهبط منها‏:‏ اخرج منها، كأنه انحدر من اعلى الى اسفل التكبر‏:‏ الاستعلاء وتقدير الانسان نفسَه اكثر من اللازم الصغار‏:‏ الذلة أنظرني أجّلني وأخّرجني أغوتني‏:‏ حكمت عليَّ بالغواية وهي الضلال مذءوماً‏:‏ مذموماً معيبا مدحورا‏:‏ مطرودا‏.‏

بعد ان ذكّر الله عباده في الآية بنعمة عليهم- بيّن هنا ان الله خلق النوع الانساني مستعدّاً للكمال، لكنه قد تَعرِض له وسوسة من الشيطان تحُول بينه وبين هذا الكمال الذي يبتغيه‏.‏

الخطابُ لبني آدم جميعا‏.‏‏.‏‏.‏ لقد خلقنا مادة هذا النوع الانساني، وقدّرنا إيجاده، ثم صوّرناه على هذه الصورة الجميلة، ثم قلنا للملائكة اسجُدوا لآدمَ سجود تعظيم، فأطاعوا أمرنا وسجدوا له الا إبليس‏.‏ لقد أبى واستكبر، وامتنع عن السجود ولما قال له الله تعالى منكراً عليه عصيانه‏:‏ ما منعك من امتثال أمري، فرفضت ان تسجد لآدم مع الساجدين‏؟‏ اجاب ابليس في عنادٍ وكبر‏:‏ أنا خيرٌ من آدم، لأنك خلقتَني من نار، وخلقتَه من طين والنارُ أشرفُ من الطين‏.‏

فجزاه الله على عناده وكيده بطرِده من دار كرامته، وقال له‏:‏ اهبط منها بعد ان كنتَ في منزلة عالية‏.‏

‏{‏فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا‏}‏‏.‏

اي ليس ينبغي ان تكبر في هذا المكان المعَدَّ للكرامة والتعظيم، ثن تعصي ربك فيه ‏{‏فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين‏}‏ اي المحكوم بالذلة والهوان‏.‏

قال ابليس لله‏:‏ «قال أنظِرْني إلى يوم يُبعثون» أي أمهلْني الى يوم القيامة، فأجابه الله تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ‏}‏ اي اني أجبتُك إلى ما طلبتَ، لما في ذلك من الحكمة التي انا بها عليم‏.‏

‏{‏قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم‏}‏ اي أنني بسبب حكمك عليَّ بالغواية والضلال، أُقسم ان أقعد لأبناء آدم هذا على صراطك المستقيم، كي اصرفَهم عنه مُتّخِذاً في ذلك كل وسلة ممكنة‏.‏

‏{‏ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ‏}‏ أي من كل جهة أستطيعها، ملمساً كل غفلة او ضعف فيهم‏.‏ حتى لا يكون اكثرُهم مؤمنين‏.‏

‏{‏وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ‏}‏ لنعمك عليهم‏.‏

فزاده الله نِكايةً وقال له‏:‏ اخرُج من دار كرامتي مذموما بِكِبرك وعصيانك وهالكاً مطرودا من الجنة‏.‏ وأٌقسِم أن من تَبِعك من بني آدم لَيكَونن في جهنَّم معك‏.‏

روى احد وابو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال‏:‏ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعُ هؤلاء الدعوات‏:‏ «اللهم اخفظني من بين يَديّ ومن خَلْفي، وعن يَمين وعن شِمالي ومِن فوقي، وأعوذُ بك ان أُغتال من تحتي»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 25‏]‏

‏{‏وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏19‏)‏ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ‏(‏20‏)‏ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ‏(‏21‏)‏ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏22‏)‏ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏23‏)‏ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ‏(‏24‏)‏ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

الوسوسة‏:‏ الصوت الخفي‏.‏ وسوسة الشيطان‏:‏ ما يجده الانسان في نفسه من الخواطر الرديئة الجنة‏:‏ كل بستان ذي شجرٍ يستر الأرض‏.‏ والآن، هل الجنة في الأرض خلاف الجنة الموعودة‏؟‏ في هذا خلاف كبير بين العلماء أما الشجر التي أكل منها أدم فلم يبين القرآن نوعها، ولم يردْ في حديث صحيح تفسير لحقيقتها‏.‏

فدلاهما بغرور‏:‏ خدعهما‏.‏ قاسمها اقسم لها وحلف ليخدعهما‏.‏ سواءاتهما‏:‏ عوراتهما‏.‏ يخصفان‏:‏ يلزقان ورقة فوق ورقة‏.‏ ما روي عنهما‏:‏ ما غُطي وستر‏.‏

لا يزال الحديث متّصلاً في الكلام على النشأة الاولى للبشر‏.‏

‏{‏وَيَا آدَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة‏}‏‏.‏

الجنة‏:‏ هي التي خُلق فيها آدم، أما هو فقد خُلق من الأرض بنص القرآن الكريم‏.‏ وقد تكررت قصة آدم في سبعة مواضع من القرآن الكريم‏.‏

وجمهور المفسرين على انها جنة الجزاء التي وُعد بها المتّقون يوم القيامة‏.‏ ولاخطاب لآدم‏.‏ وهو‏:‏ أُسكن انت وزوجُك حوّاء الجنة، وتنعّمها بما فيها، فكُلا من أيّ طعام أردتما إلا هذه الشجرة ‏(‏شجرة قد عينها الله لهما‏)‏ فلا تقرباها حتى تظلما نفسيّكما بمخالفة اوامري‏.‏

‏{‏فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

فزيّن لهما الشيطانُ مخالفة أمر الله، حتى اذا أكلا منها انكشفت عورتُهما‏.‏ وقال الشّيطان لهما‏:‏ إنما نهاكُما عن الأكل من هذه الشجرة حتى لا تكنا ملَكَين، أو من الخالدِين الّين لا يموتون أبدا‏.‏

‏{‏وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين‏}‏ وأقسم لهما أنه ناصح لهما فيما رغّبهما فيه من الأكل من تلك الشجرة‏.‏

‏{‏فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة‏}‏‏.‏

فما زال يخدعهما بالترغيب في الأكل حتى أطاعاه، فلمّا ذاقا طعمها انكشفت لهما عورتُهما، فخجِلا وجعلا يجمعان بعض أوراق الشجر من الجنة ليستُروا بها عوارتهما‏.‏

فعاتبه الله تعالى على عصاينه أمره، وإطاعتِه للشيطان فقال‏:‏

‏{‏وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ‏}‏‏.‏

وناداهما ربهما منّبهاً لهما على خطئهما، ومعاتباً لهما قائلاً‏:‏ ما نَهَيتُكما عن ان تقربا هذه الشجرة وقلتُ لكما إن الشيطان لا يرد لكما الخير فان أطعتُماه أخرجكما من الجنة الى حيث الشقاء والتعب‏!‏

عند ذاك قال آدم وزوجته نادمَين متضرعَين‏:‏ يا ربّنا، لقد ظلمنا أنفسَنا بمخالفة امرك، وإن لم تغفر لنا ما فعلناه لنكونَنَّ من الخاسرين‏.‏

‏{‏قَالَ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ‏}‏‏.‏

قال الله لآدم وزوجته حواء، وللشيطان، اهبطوا من هذه الجنة جيمعا، الى الأرض هناك سيكون استقراٌ وبقاء الى زمن مقدَّر في علم الله، وهو الأجل الذي تنتهي فيه أعماركم‏.‏ كما ان لكم فيها متاعاً تنفتعون به في معاشكم‏.‏

ثم فصّل بقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ‏}‏‏.‏

أي أنكم في هذه الأرض التي خُلقتم منها تولَدون وتعيشون، وفيها تموتون وتُدفون، ومن هذه الأرض تُخرجون عند البعث، كما قال تعالى في سورة طه‏:‏ ‏{‏مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى‏}‏‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وخلف ويعقوب‏:‏ «تخرجون» بفتح التاء وضم الراء، والباقون «تخرجون» بضم التاء وفتح الراء‏.‏